الشيخ محمد رشيد رضا

175

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وتتابعها مصداقا لهذا الكتاب فيما اخبر عنه من عالم الغيب ولقاء اللّه تعالى وكل ما كفر به المقيدون بنظريات عقولهم القاصرة وعلومهم الناقصة ، كالأرواح والملائكة والجن وتمثلهما في الصور المختلفة ، وتجلي الرب سبحانه لعباده بقدر استعداد أنفسهم وارتقاء أرواحهم من وراء الحجب التي كانت تحجهم عنه . وان فيما وصلوا اليه من العلم اليوم ما يقرب ذلك من المدارك وقد بينا بعض الأمثلة له في هذه المباحث وغيرها وان من أعظم ما يشغل هؤلاء الباحثين ، في هذا العالم مسألة بدء الخلق كيف كان ومن أي شيء كان ، وقد سبق لهم أن جزموا بأن هذه الاجرام السابحة في ملكوت اللّه من السماوات والأرض قد كانت مادة واحدة سديمية تشبه الدخان فانفتقت وانفصل بعضها من بعض فكانت اجراما متعددة - وقد جاءهم محمد النبي الأمي ( ص ) بما هو صريح في ذلك قبل علمهم به بقرون وأجيال كثيرة كما بيناه في موضعه ثم اهتدوا في هذا الجيل إلى أن أصل تلك المادة التي انفتق رتقها بما ذكر المؤلفة من عشرات العناصر قد كان مصدرها هذه الكهرباء التي دخلت بها علوم البشر وأعمالهم في طور غريب عجيب ولا تزال عجائبها كل يوم في ازدياد والمسألة التي أشرنا إليها في الحاشية التي علقناها على عبارة ابن القيم في النور هي ما ذكروه أخيرا من أن للكهربائية دقائق - أو ذرات أو ذريرات أو جواهر فردة - مستقلة بنفسها سموها ( الالكترونات ) ورجحوا أنها هي قوام كل جواهر المادة التي يتألف منها بناء العالم العلوي والسفلي وأن اهتزاز هذه الذرات أو الجواهر الفردة هو سبب طيف النور ، وأن له اهتزازات مختلفة وأنها هي منشأ تغير العناصر الطبيعية والكيمائية . وقد بينا من قبل أن هؤلاء العلماء قرروا القول من قبل بأن حركة المادة هي سبب جميع التغيرات والتطورات في هذا العالم إذ هي منشأ النور والحرارة التي قلنا إنها تحول الجوامد إلى مائعات والمائعات إلى غازات ، فالظاهر من كل ما تقدم أن الكهرباء هي الأصل لكل الكائنات التي تقدر مساحتها بحسب بعض النظريات العلمية بمئة وخمسين مليون سنة من سنى النور ، وهو يقطع في الثانية 186330 ميلا في أقرب تقدير وأحدثه وفي الدقيقة 800 ر 179 ر 7 وفي الساعة 000 ر 788 ر 430